حسين بن منصور الحلاج

41

ديوان الحلاج

[ 7 ] وقال إبراهيم الحلوانيّ : دخلت على الحلّاج بين المغرب والعشاء ، فوجدته يصلّي . فجلست في زاوية البيت كأنه لم يحسّ بي لا نشغاله بالصلاة . فقرأ سورة البقرة في الركعة الأولى ، وفي الركعة الثانية آل عمران ، فلمّا سلّم سجد وتكلّم بأشياء لم أسمع بمثلها . فلمّا خاض في الدعاء رفع صوته كأنه مأخوذ عن نفسه ، ثم قال : يا إله الآلهة ، ويا ربّ الأرباب ، ويا من لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ « 1 » ردّ إليّ نفسي لئلّا يفتتن بي عبادك . يا هو أنا وأنا هو لا فرق بين أنيّتي وهويّتك إلّا الحدث والقدم . ثم رفع رأسه ونظر إليّ وضحك في وجهي ضحكات ثم قال : يا أبا إسحاق أما ترى أنّ ربّي ضرب قدمه في حدثي حتى استهلك حدثي في قدمه ، فلم يبق لي صفة إلّا صفة القديم ، ونطقي في تلك الصفة . والخلق كلّهم أحداث ينطقون عن حدث ثم إذا نطقت عن القدم ينكرون عليّ ، ويشهدون بكفري ويسعون إلى قتليّ . وهم بذلك معذورون ، وبكلّ ما يفعلون بي مأجورون . [ 8 ] وقال الحلوانيّ : كنت مع الحلّاج وثلاثة نفر من تلاميذه ، وواسطت قافلتي من واسط إلى بغداد . وكان الحلّاج يتكلّم فجرى في كلامه حديث الحلاوة . فقلنا : على الشيخ الحلاوة . فرفع رأسه وقال : يا من لم تصل إليه الضمائر ، ولم تمسّه شبه الخواطر والظنون ، وهو المترائي عن كلّ هيكل وصورة ، من غير مماسّة ومزاج . وأنت المتجلّي عن كلّ أحد ، والمتجلّي بالأزل والأبد . لا توجد إلّا عند اليأس ، لا تظهر إلّا حال الالتباس . إن كان لقربي عندك قيمة ، ولإعراضي لديك عن الخلق مزيّة ، فأتنا بحلاوة يرتضيها أصحابي . ثم مال عن الطريق مقدار ميل فرأينا هناك قطعا من الحلاوة المتلوّنة ، فأكلنا ولم يأكل منه . فلمّا استوفينا ورجعنا خطر ببالي سوء ظنّ بحاله ، وكنت لا أقطع النظر عن ذلك المكان وحافظته أحوط ما يحافظ مثله . ثم عدلت عن الطريق للطهارة وهم ذاهبون ، ورجعت إلى المكان فلم أر شيئا ، فصلّيت ركعتين وقلت : اللهمّ ، خلّصني من هذه التهمة الدنيئة ، فهتف لي هاتف : يا هذا ، أكلتم الحلاوة على جبل قاف ، وتطلب القطع ههنا ؟ ! أحسن همّك . فما هذا الشيخ إلّا ملك الدنيا والآخرة .

--> ( 1 ) البقرة : 255 .